الجصاص
54
أحكام القرآن
وقد عظم النبي صلى الله عليه وسلم أمر الغلول حتى أجراه مجرى الكبائر ، وروى قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " من فارقت الروح جسده وهو برئ من ثلاث دخل الجنة : الكبر والغلول والدين " . وروى عبد الله بن عمر : أن رجلا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له كركرة فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو في النار " فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلها . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة " . والأخبار في أمر تغليظ الغلول كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي في إباحة أكل الطعام وأخذ علف الدواب عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين أخبار مستفيضة ، قال عبد الله بن أبي أوفى : " أصبنا طعاما يوم خيبر ، فكان الرجل منا يأتي فيأخذ منه ما يكفيه ثم ينصرف " . وعن سلمان : " أنه أصاب يوم المدائن أرغفة حواري وجبنا وسكينا ، فجعل يقطع من الجبنة ويقول : كلوا بسم الله " . وقد روى رويفع بن ثابت الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه " ، وهذا محمول على الحال التي يكون فيها مستغنيا عنه ، فأما إذا احتاج إليه فلا بأس به عند الفقهاء ، وقد روي عن البراء بن مالك : " أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة ، فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به " . قوله تعالى : ( وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ) . قال السدي وابن جريج في قوله : ( أو ادفعوا ) : " إن معناه بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا " ، وقال أبو عون الأنصاري : " معناه ورابطوا بالقيام على الخيل إن لم تقاتلوا " . قال أبو بكر : وفي هذا دلالة على أن فرض الحضور لازم لمن كان في حضوره نفع في تكثير السواد والدفع وفي القيام على الخيل إذا احتيج إليهم . وقوله تعالى : ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) ، قيل فيه وجهان ، أحدهما : تأكيد لكون القول منهم ، إذ قد يضاف الفعل إلى غير فاعله إذا كان راضيا به على وجه المجاز ، كما قال تعالى : ( وإذا قتلتم نفسا فادارأتم فيها ) [ البقرة : 72 ] وإنما قتل غيرهم ورضوا به ، وقوله تعالى : ( فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ) [ البقرة : 91 ] ونحو ذلك . والثاني : أنه فرق بذكر الأفواه بين قول اللسان وقول الكتاب . وقوله تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) . زعم قوم أن المراد أنهم يكونون أحياء في الجنة ، قالوا : لأنه لو جاز أن ترد